
جنحة سرقة ( جديد 2025 )
مكــــــتب
عدنان محمد عبد المجيد
سارة محمود بشير
المحاميان بالنقض و الادارية العليا
11 ميدان التحرير – القاهرة
محكمة القاهرة الجديدة
جنح مستانف المرج – دائرة الاثنين
مذكرة دفاع باسباب الاستئناف
مقدمة من المواطن / …………………………… [ صفته ] [ متهم ]
ضــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد
النيــــــــابــة العــــــامــــــــة [ صفته] [ سلطة الاتهام ]
بشأن استئناف الحكم الصادر في الجنحة رقم 15665 لسنة 2025 جنح قسم المرج
والمقيدة مستانف برقم لسنة 2025
والمحدد لنظرها جلسة 21/7/2025
الـــــــــوقــــائع
تمهيد واجب
العدالة لا تُقام على العجلة، ولا تنهض على الظنون، وإنما تُبنى لبنةً لبنة، على بيناتٍ راسخة، وأدلةٍ يقينية، وضميرٍ قضائي لا يركن إلا إلى الحق.
وإذ نقف بين يدي عدالتكم الموقرة في هذه الدعوى، فإننا لا نرجو إلا الإنصاف، ولا نبتغي سوى أن يُسطع نور الحقيقة في دعوى أُقيمت على ظن، وسارت على عَجَل، فطُمست معالم الإنصاف، وغاب التحقيق الجاد، وانطفأت عدالة التأني خلف ستار من التصور والافتراض.
فها هو المتهم يُزج باسمه في محضر تحرر مساء الثامن من يوليو لعام ٢٠٢٥ في تمام الساعة السابعة وأربعة وخمسين دقيقة مساءً، وما هي إلا دقائق معدودة – تحديدًا في الثامنة والثامنة عشر – حتى تم ضبطه، دون أن تُجرى تحريات، ودون إذن من النيابة العامة، ودون أن تكون هناك حالة تلبس من تلك التي حددها القانون على سبيل الحصر، لا الاجتهاد.
إننا بإزاء إجراءات اتُّخذت على عجلٍ، دون أن يسبقها تقصٍ أو تدقيق، لتُحاط الوقائع بشُبهة التسرع، ويتعرّى الاتهام من سند موضوعي أو دليل محسوس.
ولأننا نؤمن أن العدالة لا تُوزّع عشوائيًا، وأن سيف القانون لا يُشهر إلا بيقين، فإن الدفاع يعرض لعدالتكم الموقرة الوقائع الكاملة، عسى أن تتجلى الحقيقة، ويسود ميزان العدل. الوقائع
تتحصل واقعات الدعوى في أن الشاكية حسبما روت كانت قد توجهت إلى محل جزارة – كائن بمحل الضبط – لشراء بعض احتياجاتها المنزلية، وأثناء انشغالها بذلك، سقط منها – على غير إدراك – كيس صغير الحجم، أخضر اللون، مشدود بـ (أستك)، يحوي داخله خاتمًا وحلقًا من الذهب وختم ،ولما كانت قد غادرت المكان دون أن تنتبه إلى ما فُقد منها، ما لبثت أن فطنت إلى الأمر بعد مرور نحو خمس دقائق، فعادت إلى ذات المكان باحثة عن مفقودها، لتقابل – بحسب ما زعمته في أقوالها – نجل صاحب محل الجزارة، والذي أفادها بأن أحد العاملين بالمحل – المتهم – قد عثر عليه وقام بركله بقدمه إلى ناحيةٍ مجاورة.
وإزاء هذا القول، سارعت الشاكية بالرجوع إلى كاميرات المراقبة المثبتة في المحل المقابل لمحل الجزارة، فظهر في المقطع المرئي – حسب ما اقرت- ما اعتبرته دالًا على الواقعة: مشهدٌ للمتهم يركل شيئًا غير معلوم بقدمه، دون أن يُعرف على وجه اليقين ماهية ذلك الشيء، أو إن كان له أي صلة بالكيس المفقود ،او ان كان قد فقد منها الكيس في هذا المكان من الاساس! وهو مكان عام مطروق بالمارة والاقدام (امام محل جزارة في السوق)
وقد أنكر المتهم، في جميع مراحل التحقيق، ارتكاب الواقعة أو رؤيته لأي كيس، وقرر أن ما ظهر في التسجيل ليس سوى ركلة عارضة لعظمةٍ كانت ملقاة على الأرض، وهو أمر معتاد في عمله كمساعد جزار، ولا يُشير إلى اي تصرف أو استيلاء.
وبالرغم من ذلك، جرى تحرير محضر الضبط فورًا، دون إجراء أي تحريات تُذكر، بل تم القبض على المتهم في غضون دقائق من ساعة تحرير المحضر، دون استصدار إذن من النيابة العامة، ودون أن تتحقق أيٌّ من حالات التلبس التي نص عليها القانون حصرا في المادة 30 من قانون الإجراءات الجنائية.
كما جاءت التحريات باطلة بطلان مطلق لي لحاقها على القبض، فضلا عن خلوها من اي مظهر من المظاهر الجدية، ومُجردة من الأدلة أو التحقيق الموضوعي، ولا تُعدو كونها إعادة سردٍ لرواية الشاكية، دون تقديم أي سند مادي أو شاهد رؤية أو قرينة فنية تثبت صحة الادعاء.
والأخطر من ذلك، أن الشاكية نفسها، أقرت في أقوالها بأنها لم ترَ المتهم يتعامل مع الكيس المفقود، ولم تُجزِم بمكان سقوطه تحديدًا، ما يُفصح بجلاء عن أن الدعوى قد بُنيت من أصلها على محض تخمينٍ وشُبهة، لا على يقين أو دليل.
وإزاء تلك المعطيات التي تفصح عن دعوى شابها الاستعجال، وخلت أوراقها من الأدلة المعتبرة، فإن الدفاع يبسط بين يدي عدالتكم دفوعه القانونية، سعيًا إلى كشف الحق، وإنزال صحيح القانون على النحو التالي:-
الـــــــدفــــــــــاع
أولا :-
الدفع ببطلان القبض والتفتيش لحصوله بدون إذن من النيابة العامة وفي غير حالة من حالات التلبس المنصوص عليها بالمادة 30 من قانون الإجراءات الجنائية:-
إن أولى الضمانات التي كفلها الدستور والقانون هي حرمة الجسد وحرية الإنسان، فلا يجوز التعرض له أو الانتقاص من حريته إلا في إطارٍ من الشرعية الإجرائية التي أرساها القانون، وعلى رأسها أن يتم القبض عليه وفقًا لإذنٍ مسبق من النيابة العامة، أو استثناءً في حالة من حالات التلبس التي حصرتها المادة (30) من قانون الإجراءات الجنائية.
إلا أننا بصدد واقعة شابها العوار منذ لحظتها الأولى، إذ تم تحرير محضر الضبط بتاريخ 8 يوليو 2025 في تمام الساعة 7:54 مساءً، وما لبثت القوة المكلفة إلا أن قامت بضبط المتهم بعد ذلك بـ 24 دقيقة فقط – الساعة 8:18 مساءً – دون أن يكون هناك إذن من النيابة العامة، ودون أن تُجري تحريات، أو تتيقن من وقوع جريمة متلبس بها، في تجاوز فج لابسط ضمانات الحرية..
بل الثابت يقينًا من الأوراق، أن واقعة الضبط لم تكن لاحقة لتحقيق أو تفتيش جدّي، وإنما جاءت امتدادًا لتحرك سريع لا يستند إلى حالة تلبس ظاهرة، ولا إلى بينة تُبرر هذا الإجراء الاستثنائي الجسيم. إن حالات التلبس، كما نظمتها المادة (30) من قانون الإجراءات الجنائية، لا يُستدل عليها بالظن، ولا تنشأ إلا متى كانت الجريمة تقع في ذات اللحظة، أو عقب ارتكابها ببرهة قصيرة تُمكّن الضابط من مشاهدتها أو ملاحقة مرتكبها. أما وأن الكيس المفقود لم يُضبط، ولم يُشاهد المتهم حال ارتكاب الفعل المزعوم، ولم يكن حائزاً لاي من متعلقات المجني عليها عند ضبطه ، فإننا لا نكون أمام حالة تلبس بأي معنى من المعاني مما يجعل القبض عليه وتفتيشه افتئاتاً على الشرعية القانونية..
ومن ثم، فإن القبض الحاصل يكون قد تم باطلًا، لافتقاره إلى مظلة قانونية تحميه، وما بُني على الباطل فهو والعدم سواء، ويُصبح كل ما ترتب على هذا الإجراء من تحقيقات واستجواب لاحق عديم الأثر، وغير مُعتد به قانونًا.
وقد أرست محكمة النقض في عدة مواضع من أحكامها القواعد الآتية:
*أن “التلبس حالة تلازم الجريمة لا شخص مرتكبها، ولا يجوز القياس عليها أو التوسع في تفسيرها”
(الطعن رقم 1496 لسنة 52 ق – جلسة 3/3/1983).
*وأن “بطلان القبض والتفتيش يستتبع بطلان كافة الإجراءات التالية له”
(الطعن رقم 5136 لسنة 85 ق – جلسة 14/11/2015).
*كما قررت أن “ما لم يكن القبض قائمًا على إذن من النيابة أو حالة تلبس حقيقية، وقع باطلًا، وتبطل معه إجراءات التفتيش والاستجواب اللاحقة”
(الطعن رقم 4984 لسنة 59 ق – جلسة 3/12/1989).
*وأكدت كذلك أن “مجرد الاشتباه أو التحرك بناء على رواية مرسلة لا يُعد تلبسًا ولا يبرر القبض على أي وجه قانوني” (الطعن رقم 2273 لسنة 60 ق – جلسة 4/3/1992).
وعليه، يتمسك الدفاع بهذا الدفع الجوهري، مُلتمسًا من عدالتكم القضاء ببطلان إجراءات القبض والتفتيش وما ترتب عليهما من آثار، تأسيسًا على مخالفة صريحة لنصوص القانون وضماناته الجوهرية.
ثانياً : الدفع بفساد التحريات وعدم جديتها، لكونها لاحقة للضبط، ترديدًا لأقوال الشاكية، ومجردة من النشاط الاستقصائي أو الدليل المادي:-
لئن كانت التحريات هي عين العدالة السابقة على التحقيق، وكان يُناط بها كشف الغموض، وتمهيد الطريق أمام سلطة التحقيق لاختبار مدى جدية البلاغات من عدمها، فإنها – في نازلتنا – لم تكن سوى ظلٍ لرواية مرسلة، وترديدٍ لأقوال الشاكية، دون نشاط إيجابيّ يكشف عن جهدٍ تحقيقيّ أو محاولة للتثبت والاستقصاء.
بل الثابت من الأوراق أن واقعة الضبط سبقت إجراء أي تحريات تُذكر، إذ تم تحرير محضر الواقعة في تمام الساعة 7:54 مساءً يوم 8 يوليو 2025، وما إن مرّت أربع وعشرون دقيقة فقط حتى تم القبض على المتهم في الساعة 8:18 مساءً، دون إذن من النيابة، ودون أن يسبق ذلك أي تحرٍ فعلي يبرر ضبطه وتفتيشه، ودون العثور معه على ثمة دليل مادي من قبيل المسروقات أو غيرها في إجراء يتجافى مع مبدأ وجوب توافر مسوغ سابق لكل قيد على الحرية.
بل والأخطر من ذلك، أن ما وُصف بتحريات لاحقة لم يضف شيئًا إلى الأوراق، ولم يستند إلى واقعة مشاهدة أو تتبع أو دلائل مستقلة، وإنما اكتفى بمحض ترديدٍ لأقوال الشاكية، التي بلغت من العمر واحدًا وستين عامًا، ما قد يفتح باب التأثر الوجداني من مجري التحريات، ويثير شبهة التعاطف العفويّ مع امرأةٍ مسنّة تُشبه – في هيئتها وحديثها – أمهاتنا.
ولا يفوتنا هنا أن نُشير إلى أن:
“التحريات التي لا تعدو أن تكون ترديدًا لأقوال الشاكي، ولا تستند إلى نشاط إيجابيّ يجريه القائم بها، تفتقر إلى الجدية، ولا يُعتد بها قانونًا” (نقض – الطعن رقم 14999 لسنة 60 ق – جلسة 9/1/1991)
وأنه: “إذا أجريت التحريات عقب القبض على المتهم، وجاءت صدى لما ورد بمحضر الضبط، فإنها لا تصلح دليلًا لإثبات الاتهام” (نقض – الطعن رقم 1244 لسنة 59 ق – جلسة 6/2/1991)
وأن:
“التحريات ليست إلا رأيًا لصاحبها، لا تنهض بذاتها إلى مرتبة الدليل، ما لم تؤيدها وقائع مادية ملموسة” . (نقض – الطعن رقم 3655 لسنة 85 ق – جلسة 7/3/2015)
وعلى ذلك، فإن هذه التحريات تكون قد صدرت لاحقة على إجراء الضبط، فاقدة للجدية، عديمة القيمة، مفتقرة للاستقلال، ولم يثبت من خلالها العثور على المسروقات، ولا توافر شاهد على الواقعة، بل إن الأوراق قد خلت برمتها من أي دليل مادي يدعم رواية الاتهام.
ومن ثم، فإن الدفع بفساد التحريات وعدم جديتها وبطلانها من الاساس يجد له أصلًا ثابتًا في الأوراق، وسندًا راسخًا في القانون، ويتمسك به الدفاع تأسيسًا على بطلان التحريات بطلاناً مطلقاً، وبطلان ما بُني عليها من إجراءات واستدلالات لاحقة.
ثالثًا: الدفع بانعدام الجريمة لانتفاء أركانها المادية والمعنوية وخلو الأوراق من دليل يقيني، ذلك كون ان الواقعة برمتها وليدة توهم أو سوء ظن المجني عليها، ولا ترقى لقيام الجريمة المعاقب عليها قانونًا:-
فالاصل ان ما قام عليه الاحتمال سقط به الاستدلال، فلا جرمَ أن القضاء العادل لا يبني أحكامه على الظن أو الشبهة أو الرواية المرسلة، بل على يقينٍ ثابت يستند إلى دليل ماديّ قاطع تتوافر فيه مقومات الإدانة المقررة قانونًا. وإذا كانت الجريمة هي كيان قانوني لا يقوم إلا بتوافر عناصر ثلاث: ركن مادي، وركن معنوي، ودليل يقيني، فإن القضية الماثلة – بكل أسف – قد تجردت من هذه العناصر جميعًا، وأضحت واقعة الاتهام فيها عارية من كل سند حقيقي يُبنى عليه أي قرار بالإدانة.
اذ ان الأوراق قد خلت تمامًا مما يُثبت وقوع السرقة المزعومة على النحو الذي رُسم في بلاغ الشاكية…
-فلم يُضبط مع المتهم أي من المسروقات المبلغ عنها، رغم أنه قد تم القبض عليه بعد دقائق معدودة من الواقعة وفقًا للزعم.
–لم يُشهد أحد بواقعة السرقة أو يقرر أنه رأى المتهم يمد يده إلى ممتلكات الغير أو يستولي على شيء.
–الفيديو المرفق – إن صح وجوده – لا يُظهر على نحوٍ قاطع أو بيّن واقعة الاستيلاء، بل على العكس، جاءت الصورة مهتزة، والرؤية غير واضحة، وأقصى ما أظهره المقطع هو حركة دفع عارضة، لا يُفهم منها أن المتهم قد سرق شيئًا.
بل الثابت – كما قرر المتهم – أن الحركة التي بدت في المقطع لم تكن سوى ركل عظمة لاماطتها.
وعليه، فإن الجريمة لا تكون قد وقعت من الأساس، ويفتقر هذا الادعاء لأهم أركان التجريم، ألا وهو الركن المادي. فكيف يُساءل متهم لم يُضبط بشيء، ولم يُشاهد عليه شيء، ولا يوجد شاهد واحد يسنده، ولا دليل رقمي قاطع يدينه؟
والأصل، أن:
“الأحكام تُبنى على الجزم واليقين لا على الظن والتخمين” (نقض – الطعن رقم 3642 لسنة 60 ق – جلسة 24/10/1991).
بل وأن:
“متى عجزت النيابة عن إثبات الجريمة بأركانها المادية والمعنوية، وتعذر تقديم دليل قطعي على وقوعها، فإن الأصل في الإنسان البراءة، ويجب القضاء بها” (نقض – الطعن رقم 6840 لسنة 63 ق – جلسة 12/6/1997).
وأضافت محكمة النقض:
“لا يُدان متهم إلا بناءً على دليل يقيني تطمئن إليه المحكمة، ويقطع بارتكاب الجريمة ونسبتها إليه، فإن لم يكن هذا الدليل، وجب الحكم بالبراءة” (الطعن رقم 12064 لسنة 60 ق – جلسة 14/5/1992).
يُضاف إلى ما سبق أن الدعوى افتقرت إلى التحديد اليقيني لشخص مرتكب الفعل، إذ أن الواقعة – بحسب أقوال المجني عليها – جرت في شارع عام، دون أن يُحدّد على وجه القطع من استولى على المتعلقات، إن كانت قد سقطت منها بالفعل في المكان محل الواقعة.
وزاد الشك تعمقًا بعد أن لم يُضبط مع المتهم أي من المسروقات، رغم القبض عليه بعد دقائق معدودة من البلاغ، وهي مهلة لا تكفي منطقيًا لتصرفه فيها، مما يُعزّز شيوع الاتهام واستحالة الجزم بنسبته إلى شخصه.
وقد قضت محكمة النقض بأن:
“إذا تعددت الاحتمالات وافتقر الاتهام لليقين، وجب القضاء بالبراءة لقيام الشك في نسبة الجريمة لشخص المتهم.” ( الطعن رقم ٢٥٠٧٢ لسنة ٨٥ ق – جلسة 7/1/2018.)
ومن ثم، فإن الدفاع يتمسك بإنكار الواقعة برمتها، وينفي عن المتهم صلته بها جملةً وتفصيلًا، ويؤسس طلبه في البراءة على انعدام الدليل، وافتقار الواقعة لركن السرقة المادي والمعنوي والشخصي، على النحو المُجرّم بالمادة 318 من قانون العقوبات، المُحالة بأمر الإحالة الصادر عن النيابة العامة.
ولا يملك الدفاع في نهاية هذا الدفع إلا أن يُردد ما أرسته محكمتنا الموقرة مرارًا، بأن:
“الشك يفسر لصالح المتهم، والبراءة تُمنح حين يغيب اليقين، لا حين يشتد الظن.”
رابعا الدفع ببطلان الاتهام لكيديته وتلفيقه وافتقاده لسند يقيني، إذ جاءت أوراق الدعوى خاوية من أي دليل قطعي، ولم يأتِ الاتهام إلا مدعومًا بتخمين وظنون لا تُقيم بمفردها أو مجتمعة حجةً قانونية، في تعارض صارخ مع مبدأ راسخ في وجدان العدالة: “الشك يُفسَّر لصالح المتهم، لا يُدان به”:-
إن الدفاع يتمسك في ضوء وقائع الدعوى ومستنداتها بدفعٍ جوهري بكيدية الاتهام وتلفيقه، تأسيسًا على انعدام ثمة دليل يقيني أو شاهد رؤية مباشر يدعم رواية الشاكية، واعتمادها وحدها على محض أقوال مرسلة، عارية من السند والدليل، لا يعضدها شاهد ولا تسندها قرينة.
بل الثابت من الأوراق أن رواية الشاكية لا تقوم على مشاهدة أو ضبط أو قرائن فنية ملموسة، وإنما استندت إلى مجرد شكوكٍ شخصية وتخمينات مسبقة النية، من واقع ما نُقل إليها عن واقعة سابقة تتعلق باتهام غير مثبت للمتهم في محل آخر – دون أن تتوافر فيها أركان الاتهام أو عناصر الإثبات.
ولم يكن ذلك من قبيل المصادفة، بل تشير الملابسات إلى أن الشاكية – التي تبلغ من العمر 61 عامًا – أجرت إسقاطًا نفسيًا غير مبرر على المتهم، حين سمعت بأنه سبق اتهامه شفاهة في واقعة سرقة محل تجاري كان يعمل به سابقًا، فانعقد في صدرها ظنٌ غير متحقق، غلب عليه الانفعال لا اليقين، فسارعت إلى الاتهام مدفوعة بظنون لا ترقى لمستوى الدليل القضائي.
وغاية القصد أن أوراق الدعوى قد خلت تمامًا من أي دليل قولي مباشر يفيد بأن المتهم شوهد حال شروعه في ارتكاب واقعة السرقة، إذ إن المجني عليها – وهي الشاهدة الوحيدة بالأوراق – قد أنكرت بنفسها رؤيتها للمتهم حال مقارفته الفعل الإجرامي، كما أنها لم تُقدم للمحكمة أي شاهد رؤية مباشر يمكن أن يسند روايتها، أو يضع القاضي في مقام العلم بواقعة يقينية تعضد ما ذهبت إليه، وهو ما يضعف روايتها إلى حد العدم.
كما خلت الأوراق تمامًا من أي دليل مادي، أو تسجيل مرئي، أو كاميرا مراقبة تُظهر المتهم في وضع يُسند إليه الجريمة، ولم يُضبط بحوزته شيء من متعلقات الشاكية، ولم يشاهده أحد في حالة تلبس أو مقارفة للواقعة.
وقد استقر قضاء النقض على أن:
“كيدية الاتهام من الدفوع الجوهرية التي يجب على المحكمة التصدي لها متى طُرحت، وتجاهلها يعيب الحكم بالقصور في التسبيب.”
(الطعن رقم ١٠٣٣٨ لسنة ٨١ ق – جلسة 14/11/2012)
كما قضت بأن: “عدم وجود شاهد رؤية واعتماد المجني عليه على أقوال مرسلة، دون سند مادي، يعد قصورًا جوهريًا في الإثبات.”
(طعن رقم ٦٣٩٣ لسنة ٧٥ ق – جلسة 24/3/2015)
وأيضًا أن
“محض الظن لا يغني عن الحقيقة، وما بُني على الظن لا يصلح أساسًا للحكم بالإدانة.”
(الطعن رقم ٢٠٧٣٥ لسنة ٨٥ ق – جلسة 25/2/201)
ومن ثم، فإن الدفاع يتمسك بأن الاتهام وليد تصوّرٍ شخصي لا سند له، مجرّد من الدليل، مفتقر لأدنى أركان الاتهام الجدي، مما يجعله أقرب إلى الكيد والتلفيق منه إلى الحقيقة، ويُوجب البراءة إعمالًا لقاعدة: “الشك يُفسَّر لصالح المتهم ، لا يدان به.”
ومن جماع ما تقدّم، يتبيّن بوضوحٍ تام لا لبس فيه ولا إبهام، أنه كيفما قُلب الاتهام على كافة وجوهه، فليس ثمة مثارٌ لحقٍ ثابتٍ للشاكية، إذ جاء الاتهام مجردًا من الدليل، وليدًا لإجراءات باطلة بطلاناً مطلاقاً ومنعدمة وتفتقر إلى المشروعية الإجرائية، وكل ما بني على هذه الاجراءات الباطلة من دلائل ما هي الا دلائل ظنية تخمينية لا يؤازرها واقع او حقيقة ويقين ، حرياً وبحق القضاء ببراءة المتهم مما اسند اليه .
بناء عليـــــــــه
نلتمس من هيئة المحكمة الموقرة :-
أولًا: قبول الاستئناف شكلًا؛
ثانيًا: وفي الموضوع، بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجددًا ببراءة المتهم مما أُسند إليه من اتهام.
مقدمه لسيادتكم
وكيل المتهم الاساتذة /
المحاميان



